التقنية اليومية
·21/05/2026
لقد جمّد الثوران الكارثي لجبل فيزوف عام 79 للميلاد مدينة بومبي الشهيرة في الزمن. والآن، بعد أكثر من ستة عقود على اكتشافها الأولي، تكشف رفات الضحايا عن أسرار جديدة بفضل تطبيق تقنيات التشخيص الحديثة. وقد أظهر تحليل حديث لإحدى القوالب الجصية ما يبدو أنه حقيبة أدوات طبية كاملة، يُرجّح أنها كانت تخص طبيبًا رومانيًا باغتته الكارثة.
جاء هذا الاكتشاف في «حديقة الفارين»، وهو موقع صُنعت فيه عام 1961 قوالب جصية لنحو اثني عشر شخصًا. وبينما حفظت هذه القوالب اللحظات الأخيرة للضحايا، ظلت التفاصيل الداخلية محجوبة. ومن خلال توظيف مزيج من التصوير الشعاعي بالأشعة السينية غير المتوغّل، والتصوير المقطعي المحوسب (CT)، وإعادة البناء ثلاثية الأبعاد المتقدمة، تمكّن فريق من الباحثين يتسم بدرجة عالية من التعدد التخصصي من التطلع رقميًا إلى داخل أحد هذه القوالب.
كشفت الفحوص عن صندوق صغير ومتقن يحتوي، بحسب ما يحدده الخبراء، على أدوات جراحية. وكان الصندوق نفسه مزودًا بآلية إغلاق دقيقة ذات عجلة مسننة، ما يدل على مستوى عالٍ من الحرفية. ويمثل هذا النهج التكنولوجي قفزة كبيرة مقارنة بالأساليب الأثرية الأولية المستخدمة في الموقع. فبينما أتاحت الحفريات المادية وصناعة القوالب إبراز الشكل الخارجي، يتيح التصوير الرقمي اليوم تحليلًا تفصيليًا غير هدمي للقى التي لا تزال منغمسة داخل القوالب، مع الحفاظ على سياقها وسلامتها.
جمع المشروع بين تخصصات متعددة للانتقال من كشف الأثر إلى إعادة بناء بشرية أكثر اكتمالًا.
وفّر علماء الآثار السياق التاريخي والمكاني اللازم لفهم موضع العثور على القالب ولماذا كانت حقيبة الأدوات ذات أهمية ضمن اللحظات الأخيرة لبومبي.
ساعد مختصو الأنثروبولوجيا الفيزيائية في ربط الغرض بالشخص الموجود داخل القالب، بما يدعم فكرة أن الضحية ربما كان ممارسًا رومانيًا للطب.
أتاحت أساليب علم الأشعة فحص القالب بطريقة غير متوغلة، كاشفةً عن الصندوق المخفي ومحتوياته الجراحية المرجحة من دون إلحاق ضرر بالاكتشاف.
حوّلت إعادة البناء ثلاثية الأبعاد المتقدمة بيانات الفحص إلى رؤية داخلية أوضح، مما أتاح للباحثين تفسير الغرض والحفاظ على سياقه المطمور.
ويشير وجود حقيبة الأدوات، إلى جانب كيس من العملات، إلى أن هذا الشخص كان medicus، أي ممارسًا رومانيًا للطب، وربما كان يحاول الفرار من الثوران حاملًا معه الأدوات الأساسية لمهنته. وتأتي هذه الرؤية المفصلة نتيجة مباشرة لتطبيق التصوير العلمي الحديث على اللقى التاريخية، بما يتيح مقارنة صارخة بحجم البيانات التي كان ممكنًا الحصول عليها في الماضي.
وتؤكد هذه النتائج الطبيعة المتطورة لعلم الآثار، حيث توفر التكنولوجيا المتقدمة مستوى غير مسبوق من التفصيل، بما يغيّر فهمنا لحيوات انقطعت بفعل واحدة من أشهر الكوارث الطبيعية في التاريخ.