التقنية اليومية
·26/05/2026
لسنوات، ظلّت الروبوتات مقيّدة بالتزامها الصارم بالخرائط المبرمجة مسبقًا. فتغيير بسيط في البيئة، مثل تحريك قطعة أثاث من مكانها، قد يجعل آلة متطورة في حيرة وعاجزة عن أداء وظيفتها. وقد حصر هذا القيد الجوهري كثيرًا من الروبوتات في بيئات متوقعة ومحكومة. لكن موجة جديدة من الابتكار، مستلهمة من العالم الطبيعي، تُعلّم الروبوتات كيف تفكر وتتكيّف وتتنقل بذكاء غير مسبوق.
تدفع الاختراقات الحديثة علم الروبوتات بعيدًا عن البرمجة الصارمة ونحو قدرات ديناميكية وإدراكية. وهناك اتجاهان على وجه الخصوص يمهّدان الطريق لآلات تستطيع العمل بفاعلية في عالمنا المعقد والمتغير باستمرار.
يقوم هذا الاتجاه على الانتقال من رسم الخرائط القائم على الهندسة إلى الملاحة الإدراكية المستوحاة من كيفية تعلم الحيوانات واستكشافها. فبدلًا من حفظ المكان بكسل تلو الآخر، يجري تعليم الروبوتات بناء «خرائط إدراكية» مرنة. وقد طوّر باحثون في جامعة نورث وسترن بوليتكنيك في الصين، بقيادة الأستاذ قوه بين، إطارًا يستند إلى الطريقة التي تتنقل بها الفئران في المتاهات. ويعتمد هذا النظام على ثلاثة مرتكزات: التعرّف الديناميكي إلى المعالم، والذاكرة الخبراتية، واتخاذ القرار الهرمي.
يساعد الروبوت على تحديد الإشارات ذات الدلالة في بيئته وتحديثها بدلًا من الاعتماد على خريطة ثابتة.
تتيح استخلاص خبرات الملاحة السابقة في صورة معرفة يمكن للآلة إعادة استخدامها في مواقف جديدة لكنها متشابهة.
يدعم اختيار الإجراءات على مستويات مختلفة، بما يساعد الروبوت على الاستجابة للعوائق وتخطيط مسارات جديدة أثناء الحركة.
تكتسب هذه المقاربة أهميتها لأنها تتيح للروبوتات استخلاص تجاربها في صورة معرفة قابلة لإعادة الاستخدام. فالآلة المزوّدة بهذا الإطار تستطيع فهم محيطها، والتكيّف مع العوائق غير المتوقعة، وتخطيط مسارات جديدة أثناء الحركة. وتُعد هذه القدرة أساسية لتطبيقات العالم الحقيقي، مثل روبوت للبحث والإنقاذ يتنقل داخل مبنى منهار أو جهاز مساعد منزلي يناور بأمان داخل غرفة معيشة مكتظة.
تحتاج البرمجيات إلى العتاد المناسب كي تؤدي عملها، وهنا يأتي دور الحوسبة العصبية. فهذه معالجات متخصصة مستوحاة من الدماغ، تعمل على غرار العصبونات البيولوجية، ولا تنشط إلا استجابةً للتغيرات في المدخلات الحسية. ويشكّل هذا النهج القائم على الأحداث تباينًا واضحًا مع المعالجات التقليدية التي تستهلك الطاقة باستمرار، ما يجعله عاملًا حاسمًا للأنظمة المتنقلة والمستقلة.
تستهلك المعالجات التقليدية الطاقة باستمرار، وهو ما يحد من الكفاءة في الروبوتات المتنقلة والمستقلة.
لا تنشط المعالجات المستوحاة من الدماغ إلا عند تغيّر المدخلات الحسية، ما يقلل استهلاك الطاقة مع دعم التشغيل الروبوتي منخفض الكمون.
ومن خلال إقران البرمجيات الإدراكية بالعتاد العصبي، يستطيع المطوّرون إنشاء جيل جديد من الآلات شديدة الرشاقة، منخفضة الاستهلاك للطاقة، والمستقلة حقًا. ويُظهر النظام الذي طوّره فريق الأستاذ قوه بين هذا التآزر، إذ يوفّر بنية عالية الكفاءة تلبّي متطلبات الكمون المنخفض للنشر الروبوتي على متن الجهاز. وتمهّد هذه الكفاءة الطريق أمام روبوتات تستطيع العمل لفترات ممتدة في الميدان من دون أن تكون مقيدة بمصدر طاقة، لتنتقل من مجرد تنفيذ الأوامر إلى اتخاذ قراراتها الذكية بنفسها.
استقلالية فائقة الانخفاض في استهلاك الطاقة
أكبر مكسب من الجمع بين الملاحة الإدراكية والعتاد العصبي هو أن الروبوتات تستطيع البقاء متجاوبة في الميدان من دون اعتماد مستمر على حوسبة كثيفة الاستهلاك للطاقة.